الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
344
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وها هو ولدة " عمار " الذي خرجت منه كلمة بين صفير الأسواط وشدة الآلام تنم عن حالة الضعف ظاهرا ، وبالرغم من اطمئنانه بإيمانه وتصديقه لنبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أنه اغتم كثيرا وارتعدت فرائصه حتى طمأنه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحلية ما فعل به حفظا للنفس ، فهدأ . ويطالعنا تأريخ ( بلال ) عندما اعتنق الإسلام راح يدعو له ويدافع عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فشد عليه المشركون حتى أنهم طرحوه أرضا تحت لهيب الشمس الحارقة ، وما اكتفوا بذلك حتى وضعوا صخرة كبيرة على صدره وهو بتلك الحال ، وطلبوا منه أن يكفر بالله ولكنه أبى أن يستجيب لطلبهم وبقي يردد : أحد أحد ، ثم قال : أقسم بالله لو علمت قولا أشد عليكم من هذا لقلته . ونقرأ في تاريخ ( حبيب بن زيد ) أنه لما أسره مسيلمة الكذاب فقد سأله : هل تشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . ثم سأله : أتشهد أني رسول الله ؟ فأجابه ساخرا : إني لا أسمع ما تقول ! فقطعوه إربا إربا ( 1 ) . والتأريخ الإسلامي حافل بصور كهذه ، خصوصا تأريخ المسلمين الأوائل وتأريخ أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) . ولهذا قال المحققون : إن ترك التقية وعدم التسليم للأعداء في حالات كهذه ، عمل جائز حتى لو أدى الأمر إلى الشهادة ، فالهدف سام وهو رفع لواء التوحيد وإعلاء كملة الإسلام ، وخاصة في بداية دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حيث كان لهذا الأمر أهمية خاصة . ومع هذا ، فالتقية جائزة في موارد ، وواجبة في موارد أخرى ، وخلافا لما
--> 1 - في ظلال القرآن ، ج 5 ، ص 284 .